تخيل نفسك في كوخ شيَّد على حافة جبل أدب الجريمة ، كوخ يطل على واد من الغموض وتتصارع حوله الرياح . أمامك نوافذ متتابعة ، لا تُسرّبُ الضوء ، بل تمرر أسرار الليل ؛ فإذا فتحت إحداها هبت عليك أنفاسُ الصقيع ، وإذا ولجت الأخرى أطلت وجوه غامضة لا تدري أهي من يقظة الروح أم من بقايا الحلم . من النافذة الأولى يلوح شيخ أنهكه الغياب ، ثم تتداعى ظلال الساحر والجاثوم ، فإذا الكابوس يثقل الأنفاس كجلمود صخر حطه السيلُ من عل . وفي نافذة أخرى تظهر فتاة على شفا جرف انتحار ، يغيب أثرها بين ضباب طرق ملتوية وأسئلة معلّقة . ويعقب ذلك تحويلة جابر ، طريق ينقلب إلى طريق ، ووجه يذوب في وجه ، كأن الهوية خدعة مرسومة بالسراب . وتتعاقب الأهوال بين عصابة من الكدادة وصبية رفعوا إلى السماء عبثهم فارتد عليهم ، ثم تسمع صرير نافذة المصرف وهي تخفي دفاترها مصائر أرواح العاشق الولهان . حتى تنتهي عند النافذة الأخيرة ، فإذا ببيت ساكن تضج جدرانه بصرخة مكتومة ، ويئن في أركانه سرّ أكبر من أن يبوح به الليل . افتح النافذة ، ودع الظلام يفضي لك بما لم يقله النهار .
لا يوجد تقييم بعد!
Be the first to share your thoughts