لا يعرف الخذلان حقًا إلا أولئك الذين وجدوا أنفسهم فجأة وسط حربٍ لم يكن لهم فيها ذنب، سوى أنهم لم يحسنوا قراءة القلوب ولا استشراف النوايا. حربٌ خفية تدفعهم للعمل ضد أوطانهم دون وعي، وتكشف لهم أن الحقيقة لا تموت مهما أُقيمت لها جنازات، ومهما امتلأت مراسم النعي وسرادقات العزاء التي يصنعها أعداؤها لتغطيتها.
هي حربٌ تُعلّمهم أن نهاية الظالم لا تتأخر إلا لأن الله يدّخر له نهاية أشد مما يتوقع الجميع، وأن استشراف المستقبل وحده لا يكفي، وأن الكره الصادق أهون ألف مرة من الحب الزائف الذي يخفي الخيانة في ثناياه.
نعم، لا شيء يضع الإنسان في مكانه الحقيقي مثل الخذلان؛ فهو يكشف الوجوه بلا أقنعة، ويفصل الصادق من المزيف، ويجعل البعض يرحلون بلا عودة، بينما يبقى الوطن وحده ثابتًا في الجهة اليسرى من القلب.